منتديات الواحة للإبداع و التميز

منتديات الواحة للإبداع و التميز

منتدى كل العرب
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 الإنكشاريون في الإمبراطورية العثمانية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد الحفيظ
عضو مبدع
عضو مبدع


عدد الرسائل : 125
العمر : 42
الأوسمة :
تاريخ التسجيل : 04/03/2008

مُساهمةموضوع: الإنكشاريون في الإمبراطورية العثمانية   الأربعاء 19 نوفمبر 2008, 18:37




الإنكشاريون في
الإمبراطورية العثمانية

تأليف: إيرينا بيتروسيان
معهد الدراسات
الشرقية– المجمع العلمي الروسي، مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث– دبي

سنة 2006م، 243 ص،
24سم.

بدأت مؤلفة الكتاب بالإشارة إلى أن عدداً من المؤرخين ألقوا بعض الضوء على
تاريخ الفيلق الإنكشاري، وعلى أثر ذلك الفيلق في تاريخ الإمبراطورية العثمانية
وتطورها، لكن هذه الدراسات لم تشف غليلها، فرأت أنه ليس ثمة أبحاث تناقش المدة
التاريخية، منذ تأسيس الفيلق إلى أول محاولة للقضاء عليه، بل يعرض في إطار الحديث
حول التطور السياسي العام للدولة، فعقدت العزم على تأليف الكتاب.
عرضت الباحثة تاريخ تأسيس الفيلق الإنكشاري منذ بداية تكوين الدولة، وكيف
بدأ أورخان بن عثمان في بسط نفوذه وترسيخ
مبدأ الدولة الحديثة، ونتيجة للانتصارات التي حققها جذب إليه الكثير من المقاتلين
المتطوعين، ومن أجل تطوير تنظيم الدولة أسس جيش المشاة بابا المستقل عن وحدات
الفرسان شبه العسكرية القبلية، التي كانت في عهد والده، الذين لم يتم تجنيدهم إلا
من الفلاحين سكان المدن الخاضعة لنفوذه، وبعد أن دبت الفوضى في هذا الجيش سمح
لأبناء الفلاحين، الذين تبدو عليهم ملامح الرجولة، بالالتحاق بجيش المشاة، بعد
اعتناقهم الإسلام، وخصصت لهم أجور ثابتة.
خصص الجيش الجديد "يني تشيري" (ومنها كلمة الإنكشاري) لتنفيذ
واجبات حرس السلطان الشخصي، ولابد من الإشارة عند تأسيس الجيش الإنكشاري إلى
الروابط بين الإنكشاريين والطريقة البكتاشية الصوفية، وأثره في قواعد الحياة
الداخلية التي فرضت على الإنكشاريين، وبخاصة عدم الزواج.
وفي مرحلة التأسيس هذه لم يكن لهذا الجيش من أهمية سياسية سوى تعزيز سلطة
الحاكم، ولم يكن قادرا على التحول إلى جهاز قمع حكومي؛ لأن المجتمع كان حديث عهد
بتشكيل الدولة.
لم تسعف المصادر في بيان حال هؤلاء الفتيان الذين اعتنقوا الإسلام، هل
كانوا أسرى أم أحرارا، وهل التحاقهم بالجيش كان بإرادتهم أم مرغمين. وتشكل نظام
ديو شيرمة (نظام للتجنيد) في الدولة
العثمانية في منتصف القرن الخامس عشر، وصار هو الغالب على طرق التجنيد.
وتحتفظ الارشيفات التركية
بمرسومات تصور عملية التجنيد وما يرافقها من حيثيات، وترصد لنا هذه الوثائق عملية
التجنيد ومراحلها، ومشاركة المجندين في أنواع الخدمات كافة، التي تسبق الالتحاق
بالجيش الإنكشاري، فحسب وجود الوظائف الشاغرة تحدد مدة قيامهم بالخدمات.
ترصد لنا الوثائق الهيكل
التنظيمي للجيش الإنكشاري ومراحل التدرج في الخدمة وتصريف الأمور والأجور
والواجبات المناطة، وترسم لنا صورة نظامهم الاجتماعي السائد.
أدى التركيب التنظيمي الحاد للفيلق الإنكشاري ونظام الترقي في الخدمة إلى
ظهور ظروف مواتية لتشكل النظام المنعزل للفئة العسكرية الخاصة، ولأنه جزء لا يتجزأ
من التركيب الاجتماعي للدولة، كان لا بد له أن يؤثر في تطور الدولة نتيجة تأثره هو
بما حوله من تغيرات عملية.
إنّ ما يعرف عن المرحلة الأولى من
تاريخ الجيش الإنكشاري قليل، ولكن يستشف مما ورد في المصادر أن الثكنات الإنكشارية
الأولى بنيت في أدرنة حين الاستيلاء عليها في عام 1365م، وأسر عدد من الشبان عملوا
على سفن النقل جدافين للحاجة إلى ذلك، ونتيجة للتوسعات في أوروبا ظهرت الحاجة إلى
زيادة العدد، وورد ذكر الإنكشاريون في أشهر المعارك التي خاضها الأتراك وقتل فيها
مراد الأول في 1389م، وفي الحملات على الممالك التركية، وفي التصدي لحملة
سيغيزموند عام 1396م وفي المعارك مع تيمورلنك التي انتهت بمقتل بايزيد، التي
أظهروا فيها شجاعة كبيرة.
وكذلك استخدم الإنكشاريون في النزاع بين أبناء بايزيد، الذين عرفوا قيمتهم
السياسية، وبعد أن استتبت الأمور لمحمد بن بايزيد استخدم الإنكشاريين في إخضاع
الممالك المتمردة، ولكن هذا النزاع بين أبناء بايزيد وتمرد الممالك أظهر تحريك
الإنكشاريين على المسرح التاريخي للدولة العثمانية بصفة الموازنين الاجتماعيين
والمدافعين عن المصالح السياسية للأسرة الحاكمة.
عمل الإنكشاريون على تثبيت حكم مراد الثاني ضد من حاولوا سلبه العرش بعد
وفاة والده، وحاول مراد الثاني، بغية تأكيد حقوقه في السلطة العليا، الهجوم على
القسطنطينية للحصول على نصر حربي كبير، فوعد مقاتليه بغنائم كثيرة، ولكنه لم ينجح
للتحصينات القوية.
وبعد المعارك التي خاضها مراد الثاني وتنازله عن العرش بعد هزيمة وتوقيعه
اتفاقية سلام وتولية ابنه محمد طمع الأعداء فنقضوا المعاهدة، وهاجموا الدولة، فما
كان من مراد الثاني إلا أن عاد للحكم، وقاد بنفسه المعركة التي كان للإنكشاريين
الدور الحاسم فيها، ولأجل تعزيز مكانته تفيد الروايات أن مراد سأل الإنكشاريين
المرافقين له إذا كانوا يريدون أن يروه على العرش فردوا بالموافقة، ولكنه سرعان ما
تنازل عن العرش. ولكن الإنكشاريين ظهروا سريعا على المسرح السياسي، فأقاموا تمردا
احتجاجا على تأخر دفع أجورهم، ولم تنحصر طلباتهم في الأمور المادية، بل استخدموا
في الصراع الذي دار بين مؤيدي محمد ومؤيدي عودة والده للعرش احتجاجا على سياسته
المسالمة التي تحرمهم من الغنائم التي أصبحت كلّ همهم.
وبعد وفاة مراد الثاني استخدمهم محمد في إخضاع الممالك المتمردة، وبعد
انتصارهم أظهروا تمردا للمطالبة بالمكافأة، فعاقبهم السلطان، فأعطى ذلك نتيجة،
فاظهروا ولاءَهم التام له، ولكن هذا التمرد كان بداية لتمردات قادمة منطلقة كلها
من أهداف مادية.
شارك الإنكشاريون في فتح القسطنطينية مع محمد الفاتح، وكانت مهمتهم حفر
الأنفاق، وشاركوا في الهجوم الساحق، وكانوا أول من دخل المدينة، فكشف فتح
القسطنطينية عن قوة الجيش التركي وتنظيمه النادرين وقدرته على القيام بالمهمات
الحربية، وكان سر قوته الكامنة في جيش المشاة والمدفعية، فخلق هذا الفتح ظروفا
مواتية لاستئناف الفتوحات، ونال محمد الثاني لقب سلطان، وهو أول حاكم عثماني ينال
هذا اللقب نتيجة لهذا النصر.
وبعد فتح القسطنطينية شارك الإنكشاريون مع السلطان في كل حروبه في أوروبا،
وكذلك في آسيا الصغرى، وأظهروا فيها جلدا كبيرا، فنالوا امتيازات كثيرة، وبعد وفاة
محمد الفاتح برز دورهم السياسي في اختيار خلفه، ووزيره الأعظم وشاركوا في النزاع
على السلطة داخل الأسرة الحاكمة محققين مصالحهم المادية.
استخدم بايزيد الإنكشاريين في تثبيت دعائم حكمه، والقضاء على الفتن،
ولكنهم تدخلوا وبقوة في النزاع على الحكم، وعملوا على دعم السلطان سليم في الوصول
للحكم، فنالوا بعض الامتيازات مثل السماح لقدمائهم بالزواج والمكوث خارج الثكنات.
بدأ السلطان أولى حملاته على الشاه الصفوي، الذي تهرب من لقائه، فطال
الطريق على الجيش، فاعترضوا على الحملة، ظانين أن باستطاعتهم التأثير في السلطان
الذي ساهموا في تنصيبه، وقد يكون التأثير الشيعي في صفوفهم هو سبب الاعتراض، ولكن
السلطان لم يستمع لهم ومضى في طريقه.
بعد عودة السلطان من الحملة على إيران وعدم مكوثه في شتاء ذلك العام في
أذربيجان بسبب الضغوط من الإنكشاريين كان لابد من عقابهم على اعتراضاتهم، فجمع
قادتهم واعدم المحرضين، وعين قائدا لهم من غيرهم، فكان السلطان سليم أول من قام
بإصلاح الفيلق الإنكشاري بغية تعزيز رقابة الدولة على الإنكشاريين بعد أن أظهروا
خطر الاعتماد عليهم.
ومع كل هذا حاولت موازين القوى حول السلطان استخدام الإنكشاريين لتحقيق
مآربهم، من تغيير وجهة السلطان في حملاته من الشرق إلى الغرب، كما شارك
الإنكشاريون في الحروب ضد المماليك وفتح الشام ومصر ومن ثمّ القضاء على دولة
المماليك نهائيا، واستخدموا كذلك في تأديب المخالفين للسلطان. ولما توفي السلطان
سليم خشي رجال البلاد من عربدة الإنكشاريين، ولكن انتقال السلطة تم بسلام بعد أن
مهد له سليم بقتل أخوة السلطان الجديد.
بدأ سليمان عهده بحملة على المجر دفعه إليه مناوشات جنوده على حدودها التي
أنهت الهدنة، ثم فتح بلغراد ورودس، التي نهبها الإنكشاريون الساخطون على حرمانهم
من الغنائم، ثم أحدثوا فتنة في العاصمة، مستغلين عدم وجود السلطان أو وزيره، فعاد
السلطان مسرعا، وعمد إلى تأديبهم على ما اقترفوه من نهب وفتنة، كان سببه الدفاع عن
حقوقهم المادية، التي انكشف تلاعبهم بها جراء إعادة تسجيلهم. ولأجل إعادة قوة نفوذ
سلطة السلطان كان لا بد من توسيع الفتوحات التي استغلها الإنكشاريون للتمرد كلما
منعهم من نهب مدينة يفتحونها، فأصبح همهم الأمور المادية فقط.
عادت الأحداث على الجانب الشرقي للواجهة من جديد، فأرسل السلطان جيشه
لتأديب الشاه، غير أن الإنكشاريين تمردوا وطالبوا بقيادة السلطان للجيش، ولما جاء
السلطان اعتمد معه الشاه أسلوب الكر والفر، فطالت الحرب، وتعب الجيش، فاضطر
السلطان للعودة، أما الإنكشاريون فأظهروا عدم خضوعهم وغادروا أماكنهم، لأنهم شعروا
أنهم أصبحوا قوة قادرة على المعارضة دون مواجهة العقوبة. ثم احتل سليمان مولدافيا،
وهاجم أراضي المجر، وفتح أجزاء كبيرة منها، ثم عاد إلى جبهة الشرق؛ لأنها لم تحسم
بتغرير من أخي الشاة ولكن الأمور لم تجر كما حلم، وبقيت هذه الجبهة دون حسم لتهرب
الشاه من ملاقاته، وبعد هذه المناوشات معه وعلى حدود المجر قرر السلطان القيام
بحملة حاسمة ضد الشاه الإيراني، فاستدعى قادة الإنكشاريين وسألهم عن حالهم، وأظهر
عنايته بهم، فاظهروا إخلاصهم له، مما اكسبهم أهمية حاسمة، حتى أصبح نجاح الحملة
مرهون بحالة الإنكشاريين النفسية.
وبهذه القوة أصبحوا يعبرون عن مصالحهم التي تتناقض مع مصالح السلطة
العليا، فلم يكن بمقدورهم الرضا عن الحملات على الشرق للمقدرات المالية الضئيلة.
في العام 1566م توفي السلطان سليمان وخلفه سليم الثاني، الذي لم يمكنه
الإنكشاريون من دخول القصر إلا بعد أن وعدهم بزيادة أجورهم، ووزع عليهم
"البقشيش"، ولم يكن لدى الدولة أجهزة سواهم لتحقيق مصالحها، مما عظم
قوتهم وزاد استقلالهم عن إرادة الدولة، وبعد هذا التاريخ عملوا على قمع الفتن التي
ظهرت هنا وهناك، حتى غدت المهمة التأديبية في النصف الثاني من القرن السادس عشر
أساسية في الدور الاجتماعي السياسي الذي كان للجيش الإنكشاري في الدولة العثمانية.
بدأ التمرد في صفوف الإنكشاريين في الظهور جليا لعدم خوفهم من العقاب في
تلكئهم عند إطفاء حريق نشب في العاصمة، فهم كانوا يؤدون مهمة رجال الإطفاء منذ
غابر الزمان، ثم شاركوا في احتلال قبرص، لكنهم تعرضوا لهزيمة قاسية في معركة
ليبانتو، عوضوها سريعا عند فتح تونس، ولكن القدرة القتالية للدولة أصبحت عاجزة عن
استئناف الفتوحات في أوروبا، فاختلال التوازن عند أي جهة ناجم عن الإتقان في خوض
العمليات الحربية من الجيشين المتقابلين، وقدرتهم العسكرية ونظامهم الحربي
والسياسي.
كان سليم الثاني أول سلطان عثماني لم يشارك في أي حملة تمت في عهده؛ لعدم
ثقته في تحقيق النصر، ولكن هذا الأمر قطع الروابط الاجتماعية بين السلطان والجيش،
ومهد لقيام الطبقية والإقطاعية، وأصبحت الانتصارات استثناءا، مما نال من سمعة
السلطان، فبدأت الإمبراطورية تدخل مرحلة الفتن بسبب توقف الفتوحات، وما يعقبها من
تغيرات سياسية واجتماعية واقتصادية في الجهاز الاجتماعي إضافة إلى أزمة السلطة
العليا.
بعد تولي مراد الثالث أرسل السلطان قواته إلى إيران، فاظهر الإنكشاريون
تمردهم على القائد، وبقيت الحرب سجالا بين الطرفين، ولكن كانت خدمة الإنكشاريين في
الحاميات تفسدهم، وذلك لشعورهم أنهم أسياد المدن التي يتولونها، كما أن عدم
مشاركتهم في العمليات الحربية طويلا، وانقطاعهم عن حياة العاصمة، وعدم وجود رقابة
قوية عليهم، كل هذه العوامل كانت تحول طاقتهم إلى إساءات وتمردات، فشعورهم المزمن
بعدم معاقبتهم جعلهم لا يتوقفون عن نشوزهم السافر على ممثلي السلطة، وساهم تمردهم
في تغيير بعض أصحاب المناصب في بعض الأحيان.
ومع انتهاء الحملات على إيران بتوقيع اتفاقية سلام مع الشاه عام 1590م،
وعلى الرغم من هذه النتائج الايجابية لم يبق الوضع الداخلي في الإمبراطورية على
أحسن حال، ففي الربع الأخير من القرن السادس عشر وقعت اضطرابات بسبب انخفاض العملة
وانتشار الرشوات، وانتفاضات بسبب سوء المعيشة وخلق ظروف من التوتر والسخط
الاجتماعي، وكانت الخزينة تعاني من نقص شديد في النقد، وتأخر في دفع الأجور ما دفع
الإنكشاريين للتمرد والنهب في كثير من المناسبات، ولم يعد الفيلق الإنكشاري بنية
تنظيمية حربية واقعة تحت مراقبة جادة من السلطة، وبدا الإنكشاريون في ثكنات
العاصمة في مدة عدم وجود الخدمة العسكرية يشكلون قوة اجتماعية خطرة لا تخضع
للقيادة.
بعد إظهار الإنكشاريين تمرداً جديداً والأخذ والرد من قبل السلطة العليا
معهم، أرسل السلطان حملات جديدة على المجر، ولكن التكتيكات الجديدة لأوروبا في
الحروب التي لم يعتدها الإنكشاريون أربكتهم وجعلتهم يمنون بخسائر فادحة، ما دفع
السلطان لإرسال المدد لهم، ولكنهم أثاروا الفتن مطالبين بقيادة السلطان لهم، فأرسل
لهم السلطان صهره للتفاوض معهم، فشرحوا له اعتراضاتهم في خطاب طويل، يظهر إدراك
القمة العسكرية في الفيلق الإنكشاري حالة الأمور في الدولة، وعدم غفلتها عن
العمليات الاجتماعية؛ لكونهم جزءا لا يتجزأ من المجتمع العثماني، فسعت تلك القمة
إلى التأثير في سير العمليات في حياة المجتمع، وهذه الحال تدل على وجود أزمة في
الدولة يدفعها للدخول في طور جديد، فكان لا بد أن يصاحب هذا الانتقال عدم
الاستقرار الاجتماعي واستياء العقول.
أظهر الإنكشاريون كثيرا من عدم الانضباط، والنهب والهرب من الخدمة وظلم
الناس والدعارة، وشكل دفع الرشا من قادتهم لتعين من يرضون به قائدا عليهم، غاضاً
الطرف عن اختلاساتهم. فانعكس كل هذا على أداء الجيش، الذي أصبح أداؤه بطيئا، ومني
بهزائم كثيرة، فشكل ذلك مع الحركات ضد الحكومة في الأناضول عوامل الانحطاط في
الدولة، عبر عنه العلماء الذين رصدوا مظاهر الانحطاط من رشا وانخفاض للعملة وخلو
الخزينة وفاقة الفلاحين وأحوال القصر، ما أعلن عن ظهور الأزمة التي أظهرت عدم قدرة
البنية الحربية الإقطاعية على أن تكون سندا للأسرة الحاكمة، ما خلق تناقضا بين
أهداف سياسة السلطة ومصالح هذه الطبقة، وأورث اختلالا في النظام الطبقي.
أسهمت الهزائم في تحول سخط الإنكشاريين إلى سياسة الحكومة، فتدخلوا في
مناصبها، وأضحت التبدلات في المناصب خاضعة لرغبة الجيش، فظهر ضعف السلطة العليا في
مواجهة الجيش، الذي أصبح القوة السياسية الحاسمة في الدولة.
ومع تولي أحمد الثاني مقاليد الحكم عمل على إعادة هيبة الدولة والسلطة،
حتى إنّ خلفه عثمان الثاني قاد الجيش بنفسه، ولما ظهر له ضعفهم قرر استبدالهم
بإنكشاريي مصر المدربين، وحتى لا يصطدم معهم أدعى أنه سيسافر للحج، فحاول العلماء
والوجهاء ثنيه فلم يقدروا، فثار التمرد وانتهى بخلعه، وتنصيب عمه على يد
الإنكشاريين.
شكل خلع الإنكشاريين السلطان نهاية طبيعية للتسلسل الذي بدأه الجيش في
المراحل السابقة، فقد تحول الإنكشاريون من السند الأول للسلطة إلى قوة اجتماعية
مستقلة مواجهة لها، وغير قادرة على تنفيذ واجباتها العسكرية، وتجرأوا لأول مرة على
خلع السلطان، بعد أن كانوا يتدخلون في النزاع بين أفراد الأسرة الحاكمة مؤيدين هذا
أو ذاك، ولكن في مثل هذه الظروف لم يقع النزاع الداخلي بين سلطة السلطان والجيش
الإنكشاري، ولم ينشأ نزاع كهذا إلا في عهد السلطان، الذي أدرك مدى انحلال جيش مشاة
البلاط، وقد أوصل إلى هذه الأزمة سلسلة طويلة من التطور، سواء داخل الفيلق
الإنكشاري، أو تغير الوضع السياسي الخارجي في الدولة العثمانية، التي فقدت قوتها
الحربية بسبب تزايد قوى البلدان الأوروبية على الصعيد الاقتصادي والعسكري.
باتت حملة عثمان الثاني الشرارة التي أسهمت في ظهور التناقض بين المنظمتين
الاجتماعيتين سلطة السلطان وقوة الجيش، ولم يعد الفيلق الإنكشاري يستجيب لواجباته
بعد أن تحول إلى مقاتلين محترفين شكليا، واكتسب مصالحه الاقتصادية والسياسية
الذاتية، ولم تعد خدمته للسلطان واجبه الوحيد والضروري، وقد عمقت أزمة السلطة
المركزية هذا التناقض وأوصلته إلى درجة العداء.
وبسبب نضوج هذه القوة الرجعية في القرن السابع عشر انعكس على سير وتيرة
التطور الاجتماعي في الدولة العثمانية بأكملها، وكان الحفاظ على هذا النمط التقليدي
قد مهد لسلسلة كاملة من الحروب المفلسة ماديا، التي أصبح من جملة عواقبها الانهيار
الاقتصادي، وخلق ظروفا لتدهور النظام المالي في البلاد.
إن الباحث في تطور الجيش الإنكشاري يلمس مدى التحول الذي أصابه منذ أواسط
القرن السادس عشر، عندما فقد خصاله المحترفة والمنعزلة، خصوصا بعد السماح له
بالزواج، ودخول الغرباء فيه مما ساهم في تغيير بيئته النفسية.
وتميز النصف الثاني من القرن السادس عشر بانتشار جذب الإنكشاريين إلى
أعمال تتعارض مع واجباتهم العسكرية، فقد تدفقوا إلى مجال الصناعة والتجارة
والمضاربة، ومع حلول القرن السابع عشر كان الكثير من الإنكشاريين يمارس حرفة ما،
بسبب الأجور المنخفضة أو الرغبة في الإثراء، فعمل الكثير من الأثرياء منهم في
المراباة، مما جعل ثرائهم يزداد وبذلك انتشرت الرشوة بينهم عند ترقي الضباط، ثم
انتشرت الاختلاسات لتعويض المبالغ المدفوعة، فأسفر ذلك عن الاستهانة السافرة
بالواجبات العسكرية، فبسبب انشغال الجميع إما بالكسب الإضافي ، وإما بتحسين الحالة
المعيشية لعيالهم، كانوا يفقدون شيئا فشيئا خبرتهم القتالية؛ لامتناعهم عن القيام
بالتدريبات العسكرية.
وبسبب سعيهم وراء المادة شكلت الأزمة المالية عاملاً في تحولهم إلى أكثر
العناصر الاجتماعية اضطرابا، وأدت محاولة الإصلاح التي منيت بالإخفاق إلى ازدياد
قوته واستقلاله عن السلطة، وصار في بداية القرن السابع عشر أداة في النزاع على
السلطة بين أبناء النخبة في البلاط.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الإنكشاريون في الإمبراطورية العثمانية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الواحة للإبداع و التميز :: المنتدى العام :: العالم الإسلامي :: التاريخ الإسلامي-
انتقل الى: